كيوريوسيتي.. 5000 يوم مريخي من الاستكشاف فوق سطح المريخ
خمسة آلاف يوم مريخي، ومركبة واحدة، وآثار عجلات أصبحت جزءًا من تاريخ الاستكشاف البشري لعالم آخر. هكذا تواصل مركبة ناسا الجوالة «كيوريوسيتي» (Curiosity) رحلتها على سطح المريخ، في واحدة من أطول وأهم المهمات الروبوتية في تاريخ استكشاف الكواكب.
هبطت كيوريوسيتي داخل فوهة غيل (Gale Crater) في أغسطس/آب 2012، ضمن مهمة كان مخططًا لها في الأصل أن تستمر لنحو 668 يومًا مريخيًا، أي ما يعادل تقريبًا عامًا مريخيًا واحدًا. لكن المركبة تجاوزت عمرها التصميمي بفارق هائل، واستمرت في التنقل فوق سطح الكوكب الأحمر وإرسال البيانات والصور إلى العلماء على الأرض.
من قاع فوهة غيل إلى جبل شارب
بدأت كيوريوسيتي رحلتها من قاع فوهة غيل، قبل أن تتجه تدريجيًا نحو جبل شارب (Aeolis Mons)، وهو جبل ضخم يرتفع من وسط الفوهة ويتكون من طبقات متراكمة من الصخور والرواسب.
وتكمن أهمية هذه الطبقات في أنها تمثل، بالنسبة للعلماء، أشبه بصفحات من كتاب جيولوجي مفتوح؛ إذ يمكن دراسة الصخور المختلفة لمعرفة كيف تغيرت بيئة المريخ عبر فترات زمنية طويلة، وكيف انتقل الكوكب من ظروف أكثر رطوبة إلى البيئة الجافة والباردة التي نعرفها اليوم.
عندما كان الماء موجودًا على المريخ
خلال سنوات عملها، قدمت كيوريوسيتي أدلة مهمة على أن المريخ القديم كان مختلفًا بصورة كبيرة عن الكوكب الذي نراه اليوم.
فقد عثرت المركبة على دلائل مرتبطة بوجود بحيرات ومياه سائلة قديمة، إضافة إلى مركبات وجزيئات عضوية، ومعادن تشكلت في ظروف ارتبطت بالماء.
لكن هذه الاكتشافات لا تعني أن كيوريوسيتي اكتشفت حياة على المريخ.
فالهدف العلمي الأساسي للمهمة كان أكثر دقة: هل كانت البيئات الموجودة على المريخ في الماضي تمتلك الظروف التي يمكن أن تسمح للحياة بالوجود؟
وتشير نتائج المهمة إلى أن بعض البيئات المريخية القديمة امتلكت مجموعة من العناصر المهمة، من بينها الماء السائل، ومكونات كيميائية أساسية، ومصادر محتملة للطاقة يمكن أن تدعم حياة ميكروبية.
وهنا تكمن أهمية كيوريوسيتي: فهي لا تبحث فقط عن إجابة لسؤال «هل كانت هناك حياة؟»، بل تساعد العلماء أولًا على تحديد ما إذا كان المريخ قد امتلك، في الماضي، بيئات صالحة للحياة.
آلاف الأيام وآثار لا تمحوها الذاكرة
بعد آلاف الأيام فوق سطح المريخ، لا تزال كيوريوسيتي تواصل رحلتها العلمية، بينما تترك عجلاتها آثارًا على تربة عالم لم تطأه قدم بشرية حتى الآن.
كل صورة تلتقطها المركبة، وكل عينة تفحصها، وكل متر تقطعه، يضيف معلومة جديدة إلى معرفتنا بتاريخ الكوكب الأحمر.
ما بدأ كمهمة صُممت للعمل لمدة محدودة تحوّل إلى رحلة استكشافية طويلة الأمد، أصبحت خلالها كيوريوسيتي واحدة من أبرز المركبات التي ساهمت في تغيير فهمنا للمريخ القديم.
وبينما تواصل المركبة صعودها نحو طبقات جبل شارب، يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا أمام العلماء:
هل كان المريخ، في مرحلة ما من تاريخه البعيد، عالمًا مناسبًا لنشوء الحياة؟
قد لا تحمل كيوريوسيتي الإجابة النهائية وحدها، لكنها تواصل جمع القطع التي تساعد البشرية على تركيب صورة أكثر وضوحًا عن ماضي عالم بعيد، وربما عن الظروف التي يمكن أن تسمح للحياة بالظهور خارج الأرض.
رحلة بدأت قبل أكثر من عقد، لكنها لم تنتهِ بعد… وآثار عجلات صغيرة على المريخ تواصل كتابة فصل جديد من تاريخ استكشاف الإنسان للكون.